
جلس النبي صلى الله عليه وسلم يوما، وحوله جماعة من المسلمين وبينما الحديث
يجري، أطرق الرسول لحظات، ثم وجّه الحديث لمن حوله قائلا:
" ان فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من جبل أحد"..
وظل الخوف بل لرعب من الفتنة في الدين، يراود ويلحّ على جميع الذين شهدوا
هذا المجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم... كل منهم يحاذر ويخشى أن
يكون هو الذي يتربّص به سوء المنقلب وسوء الختام..
ولكن جميع الذين وجّه اليهم الحديث يومئذ ختم لهم بخير، وقضوا نحبهم شهداء
في سبيل الله. وما بقي منهم حيّا سوى أبي هريرة والرّجّال لن عنفوة.
ولقد ظلّ أبو هريرة ترتعد فرائصه خوفا من أن تصيبه تلك النبوءة. ولم يرقأ
له جفن، وما هدأ له بال حتى دفع القدر الستار عن صاحب الحظ التعس. فارتدّ
الرّجّال عن الاسلام ولحق بمسيلمة الكذاب، وشهد له بالنبوّة.
هنالك استبان الذي تنبأ له الرسول صلى الله عليه وسلم بسوء المنقلب وسوء
المصير..
والرّجّال بن عنفوة هذا، ذهب ذات يوم الى الرسول مبايعا ومسلما، ولما تلقّى
منه الاسلام عاد الى قومه.. ولم يرجع الى المدينة الا اثر وفاة الرسول
واختيار الصدّيق خليفة على المسملين.. ونقل الى أبي بكر أخبار أهل اليمامة
والتفافهم حول مسيلمة، واقترح على الصدّيق أن يكون مبعوثه اليهم يثبّتهم على
الاسلام، فأذن له الخليفة..
وتوجّه الرّجّال الى أهل اليمامة.. ولما رأى كثرتهم الهائلة ظنّ أنهم
الغالبون، فحدّثته نفسه الغادرة أن يحتجز له من اليوم مكانا في دولة
الكذّاب التي ظنّها مقبلة وآتية، فترك الاسلام، وانضمّ لصفوف مسيلمة الذي
سخا عليه بالوعود.
وكان خطر الرّجّال على الاسلام أشدّ من خطر مسيلمة ذاته.
ذلك، لأنه استغلّ اسلامه السابق، والفترة التي عاشها بالمدينة أيام الرسول،
وحفظه لآيات كثيرة من القرآن، وسفارته لأبي بكر خليفة المسلمين.. استغلّ
ذلك كله استغلالا خبيثا في دعم سلطان مسيلمة وتوكيد نبوّته الكاذبة.
لقد سار بين الناس يقول لهم: انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"
انه أشرك مسيلمة بن حبيب في الأمر".. وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد
مات، فأحق الناس بحمل راية النبوّة والوحي بعده، هو مسيلمة..!!
ولقد زادت أعين الملتفين حول مسيلمة زيادة طافحة بسبب أكاذيب الرّجّال هذا.
وبسبب استغلاله الماكر لعلاقاته السابقة بالاسلام وبالرسول.
وكانت أنباء الرّجّال تبلغ المدينة، فيتحرّق المسلمون غيظا من هذا المرتدّ
الخطر الذي يضلّ الناس ضلالا بعيدا، والذي يوسّع بضلاله دائرة الحرب التي
سيضطر المسلمون أن يخوضوها.
وكان أكثر المسلمين تغيّظا، وتحرّقا للقاء الرّجّال صحابي جليل تتألق ذكراه
في كتب السيرة والتاريخ تحت هذا الاسم الحبيب زيد بن الخطّاب..!!
زيد بن الخطّاب..؟
لا بد أنكم عرفتموه..
انه أخو عمر بن الخطّاب..
أجل أخوه الأكبر، والأسبق..
جاء الحياة قبل عمر، فكان أكبر منه سنا..
وسبقه الى الاسلام.. كما سبقه الى الشهادة في سبيل الله..
وكان زيد بطلا باهر البطولة.. وكان العمل الصامت. الممعن في الصمت جوهر
بطولته.
وكان ايمانه بالله وبرسوله وبدينه ايمانا وثيقا، ولم يتخلّف عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم في مشهد ولا في غزاة.
وفي كل مشهد لم يكن يبحث عن النصر، بقدر ما يبحث عن الشهادة..!
يوم أحد، حين حمي القتال بين المسلمين والمشركين والمؤمنين. راح زيد بن
الخطاب يضرب ويضرب..
وأبصره أخوه عمر بن الخطّاب، وقد سقط درعه عنه، وأصبح أدنى منالا للأعداء،
فصاح به عمر.
" خذ درعي يا زيد فقاتل بها"..
فأجابه زيد:
" اني أريد من الشهادة ما تريد يا عمر"..!!!
وظل يقاتل بغير درع في فدائية باهرة، واستبسال عظيم.
**
قلنا انه رضي الله عنه، كان يتحرّق شوقا للقاء الرّجّال متمنيّا أن يكون
الاجهاز على حياته الخبيثة من حظه وحده.. فالرّجّال في رأي زيد، لم يكن
مرتدّا فحسب.. بل كان كذّابا منافقا، وصوليا.
لم يرتدّ عن اقتناع.. بل عن وصولية حقيرة، ونفاق بغيض هزيل.
وزيد في بغضه النفاق والكذب، كأخيه عمر تماما..!
كلاهما لا يثير اشمئزازه، ولا يستجسش بغضاءه، مثل النفاق الذي تزجيه
النفعيّة الهابطة، والأغراض الدنيئة.
ومن أجل تلك الأغراض المنحطّة، لعب الرّجّال دوره الآثم، فأربى عدد
الملتفين حول مسيلمة ارباء فاحشا، وهو بهذا يقدّم بيديه الى الموت والهلاك
أعدادا كثيرة ستلاقي حتفها في معارك الردّة..
أضلّها أولا، وأهلكها أخيرا.. وفي سبيل ماذا..؟ في سبيل أطماع لئيمة
زيّنتها له نفسه، وزخرفها له هواه، ولقد أعدّ زيد نفسه ليختم حياته المؤمنة
بمحق هذه الفتنة، لا في شخص مسيلمة بل في شخص من هو أكبر منه خطرا، وأشدّ
جرما الرّجّال بن عنفوة.
**
وبدأ يوم اليمامة مكفهرّا شاحبا.
وجمع خالد بن الوليد جيش الاسلام، ووزعه على مواقعه ودفع لواء الجيش الى
من..؟؟
الى زيد بن الخطّاب.
وقاتل بنو حنيفة أتباع مسيلمة قتالا مستميتا ضاريا..
ومالت المعركة في بدايتها على المسلمين، وسقط منهم شهداء كثيرون.
ورأى زيد مشاعر الفزع تراود بعض أفئدة المسلمين، فعلا ربوة هناك، وصاح في
اخوانه:
" أيها الناس.. عضوا على أضراسكم، واضربوا في عدوّكم، وامضوا قدما.. والله
لا أتكلم حتى يهزمهم الله، أو ألقاه سبحانه فأكلمه بحجتي"..!!
ونزل من فوق الربوة، عاضّا على أضراسه، زامّا شفتيه لا يحرّك لسانه بهمس.
وتركّز مصير المعركة لديه في مصير الرّجّال، فراح يخترق الخضمّ المقتتل
كالسهم، باحثا عن الرّجّال حتى أبصره..
وهناك راح يأتيه من يمين، ومن شمال، وكلما ابتلع طوفان المعركة غريمه
وأخفاه، غاص زيد وراءه حتى يدفع الموج الى السطح من جديد، فيقترب منه زيد
ويبسط اليه سيفه، ولكن الموج البشري المحتدم يبتلع الرّجّال مرّة أخرى،
فيتبعه زيد ويغوص وراءه كي لا يفلت..
وأخيرا يمسك بخناقه، ويطوح بسيفه رأسه المملوء غرورا، وكذبا، وخسّة..
وبسقوط الأكذوبة، أخذ عالمها كله يتساقط، فدبّ الرعب في نفس مسيلمة في روع
المحكم بن الطفيل ثم في جيش مسيلمة الذي طار مقتل الرّجّال فيه كالنار في
يوم عاصف..
لقد كان مسيلمة يعدهم بالنصر المحتوم، وبأنه هو والرّجّال بن عنفوة،
والمحكم بن طفيل سيقومون غداة النصر بنشر دينهم وبناء دولتهم..!!
وها هو ذا الرّجّال قد سقط صريعا.. اذن فنبوّة مسيلمة كلها كاذبة..
وغدا سيقط المحكم، وبعد غد مسيلمة..!!
هكذا احدثت ضربة زيد بن الخطاب كل هذا المدار في صفوف مسيلمة..
أما المسلمون، فما كاد الخبر يذيع بينهم حتى تشامخت عزماتهم كالجبال، ونهض
جريحهم من جديد، حاملا سيفه، وغير عابئ بجراحه..
حتى الذين كانوا على شفا الموت، لا يصلهم بالحياة سوى بقية وهنانة من رمق
غارب، مسّ النبأ أسماعهم كالحلم الجميل، فودّوا لو أنّ بهم قوّة يعودون بها
الى الحياة ليقاتلو، وليشهدوا النصر في روعة ختامه..
ولكن أنّى لهم هذا، وقد تفتحت أبواب الجنّة لاستقبالهم وانهم الآن ليسمعون
أسماءهم وهم ينادون للمثول..؟؟!!
**
رفع زيد بن الخطاب ذراعيه الى السماء مبتهلا لربّه، شاكرا نعمته..
ثم عاد الى سيفه والى صمته، فلقد أقسم بالله من لحظات ألا يتكلم حتى يتم
النصر أو ينال الشهادة..
ولقد أخذت المعركة تمضي لصالح المسلمين.. وراح نصرهم المحتوم يقترب ويسرع..
هنالك وقد رأى زيد رياح النصر مقبلة، لم يعرف لحياته ختاما أروع من هذا
الختام، فتمنّى لو يرزقه الله الشهادة في يوم اليمامة هذا..
وهبّت رياح الجنة فملأت نفسه شوقا، ومآقيه دموعا، وعزمه اصرارا..
وراح يضرب ضرب الباحث عن مصيره العظيم..
وسقط البطل شهيدا..
بل قولوا: صعد شهيدا..
صعد عظيما، ممجّدا، سعيدا..
وعاد جيش الاسلام الى المدينة ظافرا..
وبينما كان عمر، يستقبل مع الخليفة أبي بكرو أولئك العائدين الظافرين، راح
يرمق بعينين مشتاقين أخاه العائد..
وكان زيد طويلا بائن الطول، ومن ثمّ كان تعرّف العين عليه أمرا ميسورا..
ولكن قبل أن يجهد بصره، اقترب اليه من المسلمين العائدين من عزّاه في زيد..
وقال عمر:
" رحم الله زيدا..
سبقني الى الحسنيين..
أسلم قبلي..
واستشهد قبلي".
**
وعلى كثرة الانتصارات التي راح الاسلام يظفر بها وينعم، فان زيدا لم يغب عن
خاطر أخيه الفاروق لحظة..
ودائما كان يقول:
" ما هبّت الصبا، الا وجدت منها ريح زيد".
أجل..
ان الصبا لتحمل ريح زيد، وعبير شمائله المتفوقة..
ولكن، اذا اذن أمير المؤمنين، أضفت لعبارته الجليلة هذه، كلمات تكتمل معها
جوانب الاطار.
تلك هي:
" .. وما هبّت رياح النصر على الاسلام منذ يوم اليمامة الا وجد الاسلام
فيها ريح زيد.. وبلاء زيد.. وبطولة زيد.. وعظمة زيد..!!"
**
بورك آل الخطّاب تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم..
بوركوا يوم أسلموا.. وبوركوا أيام جاهدوا، واستشهدوا.. وبوركوا يوم
يبعثون..!!



...
(10) تعليقات
أضف تعليقا
عليستي العزيزة
جزاكِ الله علي ما تُقدمينه من درر ونفحات إيمانية لـــــعُظماء الإسلام
تقديري أيتها الأصيلة
ياسمين غاردينيا
من فلسطين

موضوع قيم ومفيد اشكرك على المجهود الرائع
دمت بالف خير
" .. وما هبّت رياح النصر على الاسلام منذ يوم اليمامة الا وجد الاسلام فيها ريح زيد.. وبلاء زيد.. وبطولة زيد.. وعظمة زيد..!!"
بوركنم ال خطاب
بزركتم يا اصحاب الحبيب
وما تخلفتوا عنه يوما
ونصرتوه في احلك الايام والشدائد
عندما اشتد الكرب على المسلمين دعا الرسول (ص) اللهم اعز الدين باحد هذين العمرين (عمر بن الخطاب او عمر بن هشام (ابو جهل)) و هذاء كان لمكانه الرجلين ولكن الله اختار الاصلح لهذاء الدين, الفاروق الذي كان اسلامه جهر و نصر و هجرته فتحا (من اراد ان تثكله امه فليتبعني خلف هذاء الجبل) ومن يستطيع ان يفعل ثم تولى امر الامه بعد الصديق فكان فتح الشام و فلسطين و العراق و مصر ثم كانت ولايته اساس الدوله المتكامله
اختي العزيزة
اعزك الله دوما
وبارك الله لك على هذه السيرة العطرة لاصحاب الحبيب المصطفى
دمتي بخير
خالد
من مصر

أختى الكريمة الفاضلة الأخت عليسه
أحيكى بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
أشكرك أختى الفاضلة الكريمة
على كل ماتقدميه فى خدمة الإسلام
وكل عام وأنتى بخير بمناسبة عيدالفطر المبارك
أعادة الله علينا جميعاً بالخير واليمن والبركات
وتقبلى من أخوكى هذا الدعاء
اللهم أحينا في الدنيا مؤمنين طائعين و توفنا! مسلمين تائبين
اللهم ارحم تضرعنا بين يديك و قوّمنا اذا اعوججنا و ادعنا اذا استقمنا و كن لنا و لا تكن علينا
اللهم نسألك يا غفور يا رحيم أن تفتح لأدعيتنا أبواب إجابة يا من إذا سأله المضطر أجاب يا من يقول للشيء كن فيكون
اللهم لا تردنا خائبين و آتنا أفضل ما يؤتى عبادك الصالحين
اللهم لا تصرفنا عن بحر جودك خاسرين و لا ضالين ولا مضلين و اغفر لنا يوم الدين برحمتك يا أرحم الراحمين
اللهم اميــــــــــــن
من المملكة العربية السعودية

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيكم اخيتي على ما تقدمينه من سير للصحابة
نفع الله بها كل من قرأ وجعلها في ميزان حسناتك
ولكم التقدير والاحترام
==ابوجاسم==
من الكويت

جزاؤك عند الله خير جزاء
علي هذه التذكرة العطرة
لرجال صدقوا الله فصدقهم
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر
وسعدنا بالمدونة الرائعة
من مصر

اختى عليسه
..
جزاكى الله كل خير ليت فينا اليوم زيد ، فما اشبه مانحن فيه اليوم بتلك الايام الماضيه
..
ليت فينا زيد حتى نتحرك لنصرة دين الله
..
ليت فينا زيد كانت ايامنا اصبحت اجمل وانقى واطهر
..
عليسه احسنت اختيارك لتلك الوريقات التى تسقط علينا كل يوم
..
تحياتى لك
..
ريم
السلام عليكم
تحية عطرة معطرة بتحية الاسلام السمحاء الى اختى الفاضلة صاحبة المدونة النيرة
تحية حب ووفاء الى الطيبين في كل مكان...
مدونة طيبة اسال الله ان يجعل حروفها في ميزانك يوم العرض على الرحمن
اختك زهرة الايمان
السلام عليكم
تحية عطرة معطرة بتحية الاسلام السمحاء الى اختى الفاضلة صاحبة المدونة النيرة
تحية حب ووفاء الى الطيبين في كل مكان...
مدونة طيبة اسال الله ان يجعل حروفها في ميزانك يوم العرض على الرحمن
اختك زهرة الايمان
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية

























من سوريا
شكرا للسير العطرة التي تتحفنا بها دوما