إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى
احزان قلبي لا تزول *** حتى ابشر بالقبول *** وارى كتابي باليمين *** وتقر عيني بالرسول*** ((عليه الصلاة والسلام))

معه من الله نور "عباد بن بشر"







عندما نزل مصعب بن عمير المدينة موفدا من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليعلم الأنصار الذين بايعوا الرسول على الاسلام، وليقيم بهم الصلاة، كان عباد بن بشر رضي الله عنه واحدا من الأبرار الذين فتح الله قلوبهم للخير، فأقبل على مجلس مصعب وأصغى اليه ثم بسط يمينه يبايعه على الاسلام، ومن يومئذ أخذ مكانه بين الأنصار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه..
وانتقل النبي الى المدينة مهاجرا، بعد أن سبقه اليها المؤمنون بمكة.

وبدأت الغزوات التي اصطدمت فيها قوى الخير والنور مع قوى الظلام والشر.

وفي تلك المغازي كان عباد بن بشر في الصفوف الأولى يجاهد في سبيل الله متفانيا بشكل يبهر الألباب.

ولعل هذه الواقعة التي نرويها الآن تكشف عن شيء من بطولة هذا المؤمن العظيم..

بعد أن فرغ رسول الله والمسلمين من غزوة ذات الرقاع نزلوا مكانا يبيتون فيه، واختار الرسول للحراسة نفرا من الصحابة يتناوبونها وكان منهم عمار بن ياسر وعباد بن بشر في نوبة واحدة.

ورأى عباد صاحبه عمار مجهدا، فطلب منه أن ينام أول الليل على أن يقوم هو بالحراسة حتى يأخذ صاحبه من الراحة حظا يمكنه من استئناف الحراسة بعد أن يصحو.

ورأى عباد أن المكان من حوله آمن، فلم لا يملأ وقته اذن بالصلاة، فيذهب بمثوبتها مع مثوبة الحراسة..؟!

وقام يصلي..

واذ هو قائم يقرأ بعد فاتحة الكتاب سور من القرآن، احترم عضده سهم فنزعه واستمر في صلاته..!

ثم رماه المهاجم في ظلام الليل بسهم ثان نزعه وأنهى تلاوته..

ثم ركع، وسجد.. وكانت قواه قد بددها الاعياء والألم، فمدّ يمينه وهو ساجد الى صاحبه النائم جواره، وظل يهزه حتى استيقظ..

ثم قام من سجوده وتلا التشهد.. وأتم صلاته.

وصحا عمار على كلماته المتهدجة المتعبة تقول له:

" قم للحراسة مكاني فقد أصبت".

ووثب عمار محدثا ضجة وهرولة أخافت المتسللين، ففرّوا ثم التفت الى عباد وقال له:

" سبحان الله..

هلا أيقظتني أوّل ما رميت"؟؟

فأجابه عباد:

" كنت أتلو في صلاتي آيات من القرآن ملأت نفسي روعة فلم أحب أن أقطعها.

ووالله، لولا أن أضيع ثغرا أمرني الرسول بحفظه، لآثرت الموت على أن أقطع تلك الآيات التي كنت أتلوها"..!!

كان عباد شديد الولاء والحب لله، ولرسوله ولدينه..

وكان هذا الولاء يستغرق حياته كلها وحسه كله.

ومنذ سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول مخاطبا الأنصار الذين هو منهم:

" يا معشر الأنصار..

أنتم الشعار، والناس الدثار..

فلا أوتيّن من قبلكم".

نقول منذ سمع عباد هذه الكلمات من رسوله، ومعلمه، وهاديه الى الله، وهو يبذل روحه وماله وحياته في سبيل الله وفي سبيل رسوله..

في مواطن التضحية والموت، يجيء دوما أولا..

وفي مواطن الغنيمة والأخذ، يبحث عنه أصحابه في جهد ومشقة حتى يجدوه..!

وهو دائما: عابد، تستغرقه العبادة..

بطل، تستغرقه البطولة..

جواد، يستغرقه الجود..

مؤمن قوي نذر حياته لقضية الايمان..!!

وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

" ثلاثة من الأنصار لم يجاوزهم في الفضل أحد:

" سعد بن معاذ..

وأسيد بن خضير..

وعبّاد بن بشر...

وعرف المسلمون الأوائل عبادا بأنه الرجل الذي معه نور من الله..

فقد كانت بصيرته المجلوّة المضاءة تهتدي الى مواطن الخير واليقين في غير بحث أو عناء..

بل ذهب ايمان اخوانه بنوره الى الحد الذي أسبغوا عليه في صورة الحس والمادة، فأجمعوا على ان عبادا كان اذا مشى في الظلام انبعثت منه أطياف نور وضوء، تضيء له الطريق..

وفي حروب الردة، بعد وفاة الرسول عليه السلام، حمل عباد مسؤولياته في استبسال منقطع النظير..

وفي موقعة اليمامة التي واجه المسلمون فيها جيشا من أقسى وأمهر الجيوش تحت قيادة مسيلمة الكذاب أحسّ عبّاد بالخطر الذي يتهدد الاسلام..

وكانت تضحيته وعنفوانه يتشكلان وفق المهام التي يلقيها عليه ايمانه، ويرتفعان الى مستوى احساسه بالخطر ارتفاعا يجعل منه فدائيا لا يحرص على غير الموت والشهادة..

وقبل أن تبدأ معركة اليمامة بيوم، رأى في منامه رؤيا لم تلبث أن فسرت مع شمس النهار، وفوق أرض المعركة الهائلة الضارية التي خاضها المسلمون..

ولندع صحابيا جليلا هو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يقص علينا الرؤيا التي رآها عبّاد وتفسيره لها، ثم موقفه الباهر في القتال الذي انتهى باستشهاده..

يقول أبو سعيد:

" قال لي عباد بن بشر يا أبا سعيد رأيت الليلة، كأن السماء قد فرجت لي، ثم أطبقت عليّ..

واني لأراها ان شاء الله الشهادة..!!

فقلت له: خيرا والله رأيت..

واني لأنظر اليه يوم اليمامة، وانه ليصيح بالأنصار:

احطموا جفون السيوف، وتميزوا من الناس..

فسارع اليه أربعمائة رجل، كلهم من الأنصار، حتى انتهوا الى باب الحديقة، فقاتلوا أشد القتال..

واستشهد عباد بن بشر رحمه الله..

ورأيت في وجهه ضربا كثيرا، وما عرفته الا بعلامة كانت في جسده..

هكذا ارتفع عباد الى مستوى واجباته كؤمن من الأنصار، بايع رسول الله على الحياة لله، والموت في سبيله..

وعندما رأى المعركة الضارية تتجه في بدايتها لصالح الأعداء، تذكر كلمات رسول الله لقومه الأنصار:

" أنتم الشعار..

فلا أوتيّن من قبلكم"..

وملأ الصوت روعه وضميره..

حتى لكأن الرسول عليه الصلاة والسلام قائم الآن يردده كلماته هذه..

وأحس عباد أن مسؤولية المعركة كلها انما تقع على كاهل الأنصار وحدهم.. أو على كاهلهم قبل سواهم..

هنالك اعتلى ربوة وراح يصيح:

" يا معشر الأنصار..

احطموا جفون السيوف..

وتميزوا من الناس..

وحين لبّى نداءه أربعمائة منهم قادهم هو وأبو دجانة والبراء ابن مالك الى حديقة الموت حيث كان جيش مسيلمة يتحصّن.. وقاتل البطل القتال اللائق به كرجل.. وكمؤمن.. وكأنصاري..

وفي ذلك اليوم المجيد استشهد عباد..

لقد صدقت رؤياه التي رآها في منامه بالأمس..

ألم يكن قد رأى السماء تفتح، حتى اذا دخل من تلك الفرجة المفتوحة، عادت السماء فطويت عليه، وأغلقت؟؟

وفسرّها هو بأن روحه ستصعد في المعركة المنتظرة الى بارئها وخالقها..؟؟

لقد صدقت الرؤيا، وصدق تعبيره لها.

ولقد تفتحت أبواب السماء لتستقبل في حبور، روح عبّاد بن بشر..

الرجل الذي كان معه من الله نور



















 


.....
(14) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 04 اغسطس, 2009 12:02 م , من قبل mashaly66
من مصر

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً }
--- سورة الأحزاب - الآية رقم -
أللهم إنا نسألك علما نافعا وعملا متقبلا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء أللهم أحشرنا برحمتك مع عبادك الصالحين وأرزقنا الشهادة
تقبلوا تحياتى
أخيكم فى الله
محمود مشالى


اضيف في 04 اغسطس, 2009 12:07 م , من قبل khald99
من الأردن

اختي العزيزة
انار الله دربك ويسر لك امرك

جزاك الله خيرا على هذه السلسة العظيمة التي تتحدث عن رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم

اخيك
خالد


اضيف في 04 اغسطس, 2009 01:52 م , من قبل moody75

السلام عليكم
قصة رائعة جدا
جعل الله لكم النور في حياتك ونورفي القلب
تقبلي مروري

ابوسليمان


اضيف في 04 اغسطس, 2009 02:43 م , من قبل shajan85

بارك الله فيك على هذا المقال وجعله في ميزان حسناتك ،
ورضي الله عن عباد بن بشر ،
لك مني التحيه ،
( شجن )


اضيف في 04 اغسطس, 2009 02:47 م , من قبل shajan85

بارك الله فيك على هذا المقال وجعله في ميزان حسناتك ،
ورضي الله عن عباد بن بشر ،
لك مني التحيه ،
( شجن )


اضيف في 04 اغسطس, 2009 03:26 م , من قبل omarelzahed
من لبنان

جاري العزيز
من اين لنا اليوم رجال مثل عباد بن بشر الصحابي النصاري الجليل الذي بايع وناصر واوى وحمى رسول الله حتى استشهد وهو يدافع عن دين الحق .

الله اجمعنا به واجعلنا من صحبته لأن في صحبته صحبة حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم

بارك الله في وجزاك كل خير


اضيف في 05 اغسطس, 2009 05:08 ص , من قبل bashir53
من الولايات المتحدة

السلام عليكم ورحمة الله

بارك الله فيكم وملأ حياتكم نوراً إنشاء الله

قصة في منتهى الروعه

رحم الله عبّاد بن بشر

أبو مراد


اضيف في 05 اغسطس, 2009 02:10 م , من قبل SKY2018
من فلسطين

لا اله الا الله محمد رسول الله
هؤلا ء هم الرجال بحق
عاشوا لاجل هدف
وماتوا وهم عليه
ودمت متالقه لكل ما تقدميه
والخلافه الاسلاميه قادمه
ان شاء الله تعالى
ولنعمل معا لسماء2018


اضيف في 05 اغسطس, 2009 09:08 م , من قبل zaetawi
من المملكة العربية السعودية

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيكم على ما تقدمونه من سيرة صحابة حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم

نفع الله به كل من قرأ وجعله في ميزان حسناتكم
ونرجوا الله ان يمنحنا القدرة للاقتداء بهم

ولكم الاحترام والتقدير

==ابوجاسم==


اضيف في 05 اغسطس, 2009 11:46 م , من قبل elmard52
من مصر

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

بارك الله فيك وجعله فى ميزان حسناتك على ماقدمت لنا من سلسله رجال عظماء عاشوا مع اعظم عظاء العالم سيد البشريه سيدنا محمد عليه الف صلاه وسلام
تقبل مرورى
نسمه


اضيف في 05 اغسطس, 2009 11:47 م , من قبل alimariam
من مصر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الله الله الله علي الأنصار واهل الأنصار
اللهم إنا نسألك حب الأنصار فحب الأنصار من الإيمان
نشكرك كثيرا علي هذا المجهود الطيب المبارك في كتابة هذه السطور المباركة عن رجل من الرجال الذي يعتبر قدوة لكل واحد منا
اتمني لك التوفيق والسداد


اضيف في 06 اغسطس, 2009 04:03 ص , من قبل nouza
من السنغال

لك التقدير الدائم اميرتنا الغالية
مشكورة لعاطائك الذي لا يتوقف
دمت بمقالاتك القيمة والمفيدة
نوزاااااااااااااااااااااااااااااااا


اضيف في 08 اغسطس, 2009 12:05 م , من قبل mesterhewar
من فلسطين

الجارة الطيبة
تحية لقلمك الذي ما زال يسطر حروفا من
نور ونار ...
جزاك الله عنا خير الجزاء
مستر حوار


اضيف في 22 اغسطس, 2009 05:14 م , من قبل ibtissam89
من المغرب


طهر الله قلبك .. وأزاح الله همك .. وغفر الله ذنبك ..

وكثر الله أحبابك .. وبارك الله عملك .. وفرج الله

كربك .. وأصلح الله أهلك .. وسدد الله رأيك .. وبارك

الله في يومك وغدك بإذن الله .. وجزاك الله خير الجزاء

على الطرح المبارك.

جارتك ابتسام.




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


ImageChef Custom Images